أسعدتم أوقاتا.. تركيا الحارس الأمريكيّ في أفغانستان

0 746

عندما غزت الولايات المتّحدة العراق عام 2003، دمّرت معظم المدن والمؤسّسات الحكومية والمناطق الأثريّة، لكنّها حافظت على مبنى وزارة النّفط وأبقت عليه حراسةً دائمةً حتّى حصلت على جميع الوثائق والمستندات للصّفقات التي أبرمها الرّئيس العراقيّ آنذاك مع جميع دول العالم ضمن برنامج النّفط مقابل الغذاء والهبات التي كان يمنحها الرّئيس العراقيّ للشّخصيات السّياسيّة والتّجاريّة والدّول الصّديقة لكسر الحصار المفروض على العراق ونجاحه بشكلٍ كبيرٍ في هذا الإطار، الأمر الذي دفع بالشّركات الأمريكيّة العملاقة إلى الضّغط على البنتاغون لغزو العراق والسّيطرة على خيراته، وهذا ماحصل .

عمدت الولايات المتّحدة إلى الكشف عن المستفيدين من برنامج النّفط مقابل الغذاء، وبدأت الفضائح تلاحق الشّخصيات التي وقفت ضدّ الغزو الأمريكيّ – البريطانيّ للعراق جراء العقوبات الاقتصاديّة ضدّه والذي تسبّب بمقتل نصف مليون طفلٍ عراقيٍّ برّرته وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة – مادلين أولبرايت – أنّه “ثمنٌ يستحقّ العناء”. وفي حديثٍ مع أحد المسؤولين الأمريكيّين عن سبب عدم الكشف عن حلفائهم الأتراك والأردنييّن الذين استفادوا أيضا من البذخ العراقيّ، كان الردّ : “إنّهم حلفاؤنا”.

اختارت الولايات المتّحدة الأمريكيّة تركيا لتكون الدّولة الثّانية بعد قطر لاستضافة المبادرة الأفغانيّة وعمليّة السّلام التي تقودها الولايات المتّحدة والتي أُرجئت بسبب رفض حركة طالبان المشاركة حتّى الآن. وتعدُّ تركيا الحليف الاستراتيجيّ الأوّل الذي يرعى المصالح الأمريكيّة في المنطقة لأهميّتها الجيوسياسيّة، وازدادت هذه الأهميّة بعد وصول الرّئيس رجب طيّب أردوغان للسّلطة على الرّغم من الامتعاضات الأمريكيّة بسبب سياسة أردوغان في الرّبيع العربيّ وبعد الانقلاب الفاشل هناك. ومع قرب موعد الانسحاب الأمريكيّ من أفغانستان بعد اتّفاقية السّلام مع حركة طالبان في شهر فبراير| شباط العام الفائت، تسعى الولايات المتّحدة إلى سحب قوّاتها قبل حلول الحادي عشر من سبتمبر| أيلول من العام الجاري بعد أن كان الاتّفاق مع حركة طالبان مقرّراً في شهر مايو| أيار المقبل. وقامت أنقرة بتعيين مبعوثٍ خاصٍّ لها لأفغانستان، بينما تدرك واشنطن مدى أهميّة تركيا في منظمّة الدّول الإسلاميّة، كما تربطها علاقاتٌ تاريخيّةٌ مع دول آسيا الوسطى التي يحاول أردوغان مدّ نفوذه فيها وإحياء القوميّة التّركيّة، ناهيك عن ارتباط أردوغان مع التّنظيمات الإسلاميّة المتشدّدة وحركة الإخوان المسلمين، وباعه الطّويل في دعم الحركات الإسلاميّة المتشدّدة في العديد من دول العالم، واستخدمه للمرتزقة في حرب ليبيا وإقليم كاراباخ ضدّ أرمينيا. وثمّة تقارير استخبارتيّةٌ تتحدّث عن قيام تركيا والولايات المتّحدة بنقل جماعاتٍ إرهابيّةٍ ومرتزقةٍ إلى أفغانستان. ومن المعروف أنّ تركيا تستخدم القوّة النّاعمة مع أفغانستان وتربطها بها علاقاتٌ تاريخيّةٌ، وبالتّالي فإنّ التّقارب الإسرائيليّ – الأمريكيّ مع تركيا يصبّ في مصلحتهما بالمقام الأوّل باعتبار أنّهما يسعيان للانتقام من إيران، وتركيا هي الحليف الأفضل للعب هذا الدّور القذر. وبدورها أكّدت الولايات المتّحدة على لسان وزير خارجيّتها – بلينكن – خلال جلسةٍ مع وزراء خارجيّة حلف شمال الأطلسيّ (الناتو) على أهميّة تركيا بالنّسبة للحلف، خاصّةً في تضييق الخناق على روسيا مع تفاقم الأزمة مع أوكرانيا والحشود العسكريّة لحلف الناتو على الحدود مع روسيا. وهناك أجندةٌ خاصّةٌ لأردوغان من قبل الاتّحاد الأوروبيّ تصبّ في إطار التّعاون الاقتصاديّ ومعالجة الهجرة، والالتزام بتدفّق الأموال للمهاجرين في تركيا، ودعم الاقتصاد التركيّ، والعودة إلى الحظيرة الغربيّة كقوّةٍ تابعةٍ لحلف النّاتو. ومن هنا جاء تقارب الرّئيس أردوغان مع باكستان بدايةً ومع أفغانستان الآن في إطار الصّراع على قمّة التّبعيّة للولايات المتّحدة .

قبل أن تعترف الولايات المتّحدة بمجزرة الأرمن، اتّصل الرّئيس جو بايدن بنظيره التّركيّ ليطلعه على القرار الأمريكيّ باعتبار أنّ الإدارة الحاليّة تهتمّ بقضايا حقوق الإنسان في العالم، ولكنّها تتخوّف من الانتقام التّركيّ بالإضرار بالمصالح الأمريكيّة في المنطقة ومستقبل القاعدة العسكريّة الأمريكيّة – انجرليك – في تركيا. ومازال الرّئيس أردوغان هو الرّئيس التّركيّ الأكثر شعبيّةً لقرابة عقدين من الزّمن حتّى ولو كانت الأوضاع الاقتصاديّة متردّيةً في البلاد مع إفلاس العديد من الشّركات الصّغيرة وارتفاع معدّل التّضخم والبطالة وانخفاض العملة المحليّة، وفوق كلّ ذلك حملة الاعتقالات شبه اليوميّة لمعارضيه وحلفاء الأمس. وممّا زاد الطّين بلّةً ظهور جائحة فيروس كورونا التي انعكست بشكلٍ سلبيٍّ على قطّاع السّياحة، وألحقت أضراراً جسيمةً بالاقتصاد والإنتاج، وستزيد من الانكماش الاقتصاديّ والأعباء الاجتماعيّة على ذوي الدّخل المحدود الذين يشكّلون القاعدة الشّعبيّة للرّئيس أردوغان .

وبما أنّ قواعد اللّعبة في السّياسات الأمريكيّة الخارجيّة بدأت تتغيّر في عهد الرّئيس الجديد، فإنّ الرّئيس – جو بايدن – كان قد وعد في حملته الانتخابيّة أنّه سيعترف بمجزرة الأرمن، ومن المؤكّد أنّ هذا الاعتراف سوف ينعكس سلباً على مستقبل العلاقات الأمريكيّة – التّركيّة في ظلّ الرئيس – بايدن، وسوف تكون من التّحدّيات الكبيرة بالنّسبة له، خاصّةً وأنّ تركيا ترعى مصالح الولايات المتّحدة في أكثر من منطقة نزاعٍ، لذا يتعيّن على إدارة بايدن أن تدرك الدّور التّركيّ الحليف، وقد يصبح الاعتراف بالمجزرة ورقة ابتزازٍ تستخدمها واشنطن ضدّ أنقرة متى شاءت، ولذلك فإنّ واشنطن وحلفاءها يغضّون النّظر عن انحراف الرّئيس أردوغان عن مسار مصالحهم، ومازالوا يراهنون على حصان طروادة العثمانيّ للضّغط على روسيا في أوكرانيا والبحر الأسود من جهةٍ، والقضاء على قوى إقليميّةٍ صاعدةٍ وتحقيق أطماع الغرب في العالم العربيّ وخلق بؤر توتّرٍ جديدةٍ من جهةٍ ثانيةٍ وذلك من خلال إحياء الرّئيس أردوغان للقوميّة التّركيّة، والإعلان عن الولادة العثمانيّة الجديدة، والتّبشير بعودة السّلطان، وقيادة العالم الإسلاميّ من قبل جيشه الكونفوشاري، واستخدام الدّين كوسيلةٍ من خلال دعمه للحركات الإسلاميّة، ومعاداته للعلمانيّة الغربيّة، والتّذرّع بالدّفاع علناً عن قضايا المسلمين لكسب الشّارع الإسلاميّ في المحافل الدّوليّة، وبالتّالي تحقيق إيدلوجيّته السّياسيّة والتّربّع على عرش السّلطان العثمانيّ الجديد. بيد أنّ هذه السّياسة، برأي العديد من المراقبين للشّأن التّركيّ، سوف تسرّع من انهيار تركيا واستنزاف قدراتها، خاصّةً بعد أن بدأ الرّئيس أردوغان بمغامراته العسكريّة في أكثر من بؤرة نزاعٍ في المنطقة، ومَدِّ نفوذه إلى غرب وجنوب آسيا، والابتعاد قليلاً عن المغامرات التي تضرّ بالمصالح الأوروبيّة في البحر المتوسّط بعد أن بدأت الدّول الأوروبيّة تضيق ذرعاً بسياسة أردوغان وبروز من يطالب بتعليق المفاوضات لعضويّة تركيا في الاتّحاد الأوروبيّ.

اللّاعبون الجدد في الشّأن الأفغانيّ

لا تعدّ تركيا الطّرف الرّئيسيّ الوحيد في الشّأن الأفغانيّ، بل هناك عملاقا آسيا – الصّين والهند – أيضاً، ولكلٍّ منهما سياسته المستقلّة ضدّ الآخر، كما يتصارعان على النّفوذ هناك، فالصّين تحاول التّقارب مع أفغانستان وتزيد من الاستثمارات هناك ضمن سياسة الممرّ الاقتصاديّ الصّينيّ – الباكستانيّ ومبادرة طريق الحرير. وتحاول بكّين التّقرّب من حركة طالبان أيضاً خوفاً من عودة التّطرّف والمدّ الإسلاميّ المتشدّد إلى إقليم شينجيانغ الصّينيّ لتنفيذ المخطّطات الأمريكيّة والغربيّة ضدّ القوّة العظمى – الصّين – كما فعلوا بالاتّحاد السّوفييتيّ سابقاً في أفغانستان. وتعزّز الهند بدورها من تواجدها في إدارة الشّأن الأفغانيّ، وقد ضمّتها الولايات المتّحدة لتحالفها في عملية السّلام في أفغانستان بغية دخول أسواق دول جنوب آسيا، بيد أنّ نيودلهي قلقةٌ من التّقارب التّركيّ – الباكستانيّ – الأفغانيّ ومستقبل الأمن والاستقرار في إقليم جامو وكشمير.

وخلاصة القول من خلال قراءة البيان المشترك لتركيا وأفغانستان وباكستان الذي صدر عقب اجتماعٍ لوزراء خارجيّة الدّول الثّلاثة، تضمّن البيان استنكار أعمال العنف هناك، ودعوة حركة طالبان لوقف الحرب وتوفير مناخٍ ملائمٍ لتحقيق السّلام، وإعادة تأكيد التزامها بعملية السّلام في أفغانستان، والتّوصل إلى سلامٍ عبر الحوار.

وإذا صدقت الأنباء عن قيام الولايات المتّحدة وتركيا بنقل المرتزقة من التّنظيمات الإرهابيّة مثل داعش إلى أفغانستان، فإنّ تركيا هي اللّاعب الرّئيس بمشاعر المسلمين واحتضان المتطرّفين والإرهابيّين، وإلحاق الدّمار بالعالم الإسلاميّ عوضاً عن توفير الأمن والأمان، وأمان يا ربّي أمان!

الدّكتور وائل عوّاد.

كاتب و صحفي سوريّ مقيم بالهند و متخصّص بالشّؤون الآسيويّة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.