إستراتيجية باكستان لم تعد تعمل في عالم إسلامي متزايد الاستقطاب

0 819
ورد في مقال لباحثيْن أن إستراتيجية باكستان في سياستها الخارجية للحفاظ على علاقات جيدة مع الجميع لم تعد تعمل في عالم إسلامي متزايد الاستقطاب.وأوضح الباحث عبد الباسط من كلية “إس راجاراتنام” للدراسات الدولية في سنغافورة والباحث زاهد شهاب أحمد في معهد المواطنة والعولمة بجامعة ديكين في أستراليا أن حرص باكستان على الحفاظ على علاقات جيدة مع كل من إيران والسعودية لم يعد ممكنا.وأشار الباحثان في مقالهما المنشور بموقع الجزيرة الإنجليزية إلى أن السعودية والإمارات تعززان علاقاتهما مع الهند أكثر من علاقاتهما مع باكستان، وأن الدولتين الخليجيتين لم تعودا حليفتين لإسلام آباد في أهم قضاياها السياسية الاقتصادية.

درجة الغليان

ففي أغسطس الماضي وصلت التوترات المستمرة منذ فترة طويلة بين باكستان والسعودية إلى درجة الغليان عندما انتقد وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي علنا السعودية، لعدم دعمها الواضح لإسلام آباد في منطقة كشمير المتنازع عليها مع الهند.وقال قريشي خلال مقابلة تلفزيونية في 4 أغسطس/آب الحالي إن إسلام آباد تتوقع من منظمة التعاون الإسلامي -ومقرها جدة- عقد اجتماع بشأن كشمير، وخلافا لذلك “ستضطر باكستان إلى الدعوة لاجتماع للدول الإسلامية المستعدة للوقوف معنا بشأن قضية كشمير”.وأشارا إلى أن تصريحات قريشي هذه يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها تهديد مبطن لإنشاء كتلة جديدة تنافس منظمة المؤتمر الإسلامي التي تهيمن عليها السعودية.

غضب باكستاني

وردا على ذلك -يقول الكاتبان- سحبت السعودية قرضا بدون فوائد قيمته مليار دولار كانت قد قدمته لباكستان في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 عندما كانت البلاد في ضائقة اقتصادية شديدة تتطلب احتياطيات أجنبية لتجنب تعثر سيادي محتمل، كما رفضت السعودية تجديد خطة مدفوعات للنفط مؤجلة كانت جزءا من نفس الحزمة.وفي محاولة للسيطرة على الأضرار هرع رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال قمر جاويد باجوا في 17 أغسطس/آب الجاري إلى الرياض.

ومع ذلك، لم يوافق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على استقبال باجوا، وعاد القائد العسكري القوي فورا إلى إسلام آباد بعد عقده اجتماعا قصيرا مع خالد بن سلمان بن عبد العزيز نائب وزير الدفاع السعودي.وبعد فترة وجيزة من وصول الجنرال باجوا إلى باكستان غادر قريشي إلى الصين، باعثا رسالة واضحة إلى السعودية مفادها أن إسلام آباد تقوم بتنويع تحالفاتها وإعادة تقييم شراكتها الإستراتيجية مع الرياض.

اصطفاف إستراتيجي

وقال الكاتبان إنه يجب أن ينظر إلى الخلاف الدبلوماسي الأخير بين السعودية وباكستان في السياق الأوسع لإعادة الاصطفاف الإستراتيجي الأخيرة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.فقد كانت باكستان تكافح من أجل الحفاظ على سياستها التقليدية المتمثلة في الحفاظ على علاقات محايدة مع القوى الإسلامية المتنافسة، فيما تشعر بالقلق إزاء تعميق التعاون الإستراتيجي والاقتصادي بين خصمها اللدود الهند ومجموعة من الدول العربية بقيادة السعودية.وتشعر الرياض بالإحباط بنفس القدر من انفتاح باكستان على دول تعتبرها معادية، مثل تركيا وماليزيا وقطر.وإضافة إلى ذلك -كما يرى الكاتبان- فإن من المتوقع أن يغير الاتفاق الإيراني الصيني المقترح -الذي من المقرر أن يجعل إسلام آباد وطهران نقطتين مهمتين في مبادرة الحزام والطريق في بكين- ديناميكيات علاقات باكستان مع إيران، فالسعودية -التي تعتبر إيران التهديد الرئيسي لطموحاتها الإقليمية والعالمية- قلقة من احتمال ظهور شراكة جديدة بين إيران وباكستان تحت قيادة الصين.

شعور باكستان بالإحباط

وبعد تحرك الهند في أغسطس/آب 2019 لإلغاء الوضع شبه المستقل لكشمير الخاضعة للإدارة الهندية، توقعت باكستان أن تؤيد الدول العربية بشدة سياستها بشأن كشمير، ومع ذلك لم تتخذ السعودية وحلفاؤها الخليجيون مثل الإمارات موقفا قويا ضد الهند، مما أحبط إسلام آباد.وعلق الباحثان بأن دول الخليج كانت في الماضي قادرة على موازنة تعاملها مع باكستان والهند، لكن يبدو أنها الآن تقترب بشكل علني من الهند وتبتعد عن باكستان.

استثمارات بـ100 مليار دولار

ولفت الكاتبان الانتباه إلى أن هذه الإستراتيجية اتضحت خلال جولة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في فبراير/شباط 2019 في جنوب آسيا، إذ لم يقم بخطوة غير مسبوقة بزيارة الهند مباشرة بعد باكستان فحسب، بل وعد أيضا بتنفيذ استثمارات أكبر في الهند مما فعل في باكستان.وبعد توقيع مذكرة تفاهم تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار للمساعدة في دعم الاقتصاد الباكستاني قال في نيودلهي إنه يتوقع أن تتجاوز استثمارات الرياض في الهند 100 مليار دولار في العامين المقبلين.وفي مارس/آذار 2019 أوضحت الإمارات أيضا أنها تسعى إلى توثيق العلاقات مع الهند على حساب باكستان عندما دعت وزيرة الخارجية الهندية سوشما سواراج كضيف شرف في قمة منظمة التعاون الإسلامي التي انعقدت آنذاك في أبو ظبي، وانسحب وزير الخارجية الباكستاني قريشي من القمة احتجاجا، لكنه فشل في جعل الإمارات تلغي دعوتها للهند.ويختتم الكاتبان مقالهما بأن لدى السعودية عدة أسباب للإعلاء من شأن شراكتها العميقة مع الهند أكثر من علاقاتها التاريخية مع باكستان، فبينما تبلغ التجارة السنوية بين باكستان والسعودية حوالي 3.6 مليارات دولار تبلغ قيمة التجارة الثنائية بين السعودية والهند أكثر من 30 مليار دولار، ويفسر هذا الفارق التجاري جزئيا -على الرغم من الطلبات الباكستانية المستمرة- سبب تجنب الرياض إثارة قضية كشمير إلى أبعد من مجرد الكلام.

المصدر : الجزيرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.